النور
التوحيد في القرآن وفي سنّة الرسول (ص) وآل بيته (ع)
خاطب القرآن العقل والحس والفطرة بالتوحيد، وصاغ أهل البيت (عليهم السلام) موقفًا وسطًا بين التشبيه والتعطيل.
المقدمة
بعد أن رسم العقل الإطار التنزيهي لصفات واجب الوجود، ننتقل الآن إلى فضاء الوحي؛ لنرى كيف تجلّت هذه الحقائق العقلية في القرآن الكريم، وكيف فصّلها الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام). إن المعرفة الأثرية الواردة عنهم لا تلغي العقل، بل تأخذ بيده ليتخلص من جفاف المصطلحات الفلسفية، محلّقةً به في آفاق المعرفة الحقيقية.
1. كيف تطرّق القرآن الكريم وأهل البيت (عليهم السلام) للتوحيد؟
لم يطرح القرآن الكريم قضية التوحيد كمعادلات جافة، بل تميّز بأسلوب إعجازي فريد يتناغم مع «نظرية المعرفة» وأدواتها المتنوعة لدى البشر. فالناس ليسوا على درجة واحدة من الوعي والتحليل، ولذلك جاء الخطاب القرآني متدرجًا ومخاطبًا لجميع مستويات الإدراك البشري عبر أدوات المعرفة الثلاث:
1. الخطاب العقلي والبرهاني (لأهل الفلسفة والنظر)
خاطب القرآن الطبقة التي تعتمد على «العقل المجرّد» كأداة معرفية أساسية، وقدّم لها براهين منطقية تماثل أعمق النظريات الفلسفية:
برهان التمانع والامتناع، ففي قوله تعالى:
﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾.
وهذا استدلال عقلي بحت قائم على الملازمة المنطقية؛ فوجود قوتين مطلقتين مستقلتين يؤدي بالضرورة إلى التصادم والفساد وبطلان النظام، وهو ما يتطابق مع برهان التمانع الفلسفي.
برهان السبر والتقسيم، ففي قوله تعالى:
﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾.
فهنا يحصر العقل الاحتمالات ويقود القارئ عبر تفنيد الفروض الباطلة للوصول إلى النتيجة الحتمية (وجود الخالق).
وقد رسّخ الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) هذا النظر العقلي التنزيهي في جوامع توحيده وبيان عجز العقول عن الإحاطة البنيوية بالذات، كما يروي الشيخ الكليني (نحو 255–329 هـ / نحو 864–941 م) في كتاب الكافي (باب جوامع التوحيد) من خطبة له (ص):
«الحمد لله الذي كان في أوليته حَقّاً… لا يُوصَفُ بِحَال، ولا يُحَدُّ بِعَقْل، ولا يُشْبَهُ بِمِثَال، الذي لَمْ يَخْلُقِ الأَشْيَاءَ مِنْ أُصُولٍ كَانَتْ قَبْلَهَا، بَلْ خَلَقَهَا بِقُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ».
2. الخطاب الحسي والتجريبي (لأصحاب الملاحظة والاستقراء)
في المقابل، التفت القرآن إلى أن فئة واسعة من البشر تعتمد على «الحس والتجربة» كأداة معرفية أولى للانتقال من المحسوس إلى المعقول، فدعاهم إلى السيرورة الاستقرائية وملاحظة النظام الكوني المشهود:
في الاستدلال بالنظام المشهود يقول تعالى:
﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾.
فهنا يخاطب الوحي أدوات المعرفة الحسية (البصر، الملاحظة المباشرة) ليتأمل الإنسان في هندسة الخلق العجيبة والروابط الفيزيائية والمادية التي تحكم العالم، ومن خلال دقة الصنع الحسي ينتقل العقل تلقائيًا إلى عظمة الصانع.
وفي هذا السياق، يبيّن الرسول الأكرم (ص) أن الوجود الخارجي بأكمله خاضع لصانعه ولا يحويه حيز مادي كخلقه، فعندما جاء حبر من الأحبار يسأله: “يا رسول الله، أين الله؟”، أجابه (ص) برواية الشيخ الصدوق (306–381 هـ / 918–991 م) في كتاب التوحيد:
«هو في كل مكان، وليس في مكان بمحدود، ولا بمتدان، خلو من خلقه، وخلقه خلو منه، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار».
3. الخطاب الفطري والوجداني (أداة الشهود الباطني)
هذه الأداة المعرفية هي الأعمق والأكثر شمولًا؛ لأنها باطنية أولية لا تحتاج إلى تعقيد المصطلحات والمنطق، ولا إلى أدوات التجربة والمختبر، بل تنبع من أصل الخِلقة والوعي الإنساني عند تجرّده من المؤثرات الخارجية والمادية.
في التوحيد الفطري العام يقول تعالى:
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾.
فالقرآن ينبّه إلى أن معرفة الله والتوجّه إليه مغروسان في الجِبِلّة الإنسانية كبرمجة ذاتية سابقة على كل فكر مُلقَّن.
وقد أصّل الرسول الأكرم (ص) هذا المفهوم المعرفي في رواية كتاب الكافي للشيخ الكليني (باب الفطرة) حين سُئل عن هذه الآية وتفسيرها الفطري فقال:
«كل مولود يولد على الفطرة، يعني على المعرفة بأن الله عز وجل خالقه».
ويبرز ذلك في برهان المأزق (تجلّي الفطرة في الشدائد): فقد ركّز القرآن الكريم على نموذج حسي ونفسي دقيق يكشف كيف تنقشع الأوهام وتتحرك الفطرة رغمًا عن صاحبها عندما تنقطع الأسباب المادية تمامًا، وذلك في مشهد ركّاب السفينة في البحر. يقول تعالى:
﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾.
وفي تحليل المشهد فلسفيًا ومعرفيًا: في سياق نظرية المعرفة، يشرح هذا المشهد عمق الفطرة؛ فالإنسان في ظروف الرخاء والمحيط العادي قد يلتفت إلى أسباب مادية (كالمال، أو القوة، أو الأفكار الإلحادية، أو الأصنام والأنداد) ويعتقد أنها تملك نفعًا وضرًا، مما يغطي على نداء الفطرة الأصيل.
ولكن، عندما يحلّ المأزق المطلق، وتأتي «الريح العاصف والموج من كل مكان»، وتتحطم كل الأسباب المادية فلا يتبقى أمل في قبطان، ولا في سفينة، ولا في قوة ذاتية (وظنّوا أنهم أُحيط بهم)، تنكشف الغشاوة فجأة. في تلك اللحظة الحرجة، يتوجه وعي الإنسان وداخله تلقائيًا — دون حاجة لبرهان كلامي — إلى «القدرة المطلقة الغيبية المستغنية عن الأسباب»، فيدعون الله مخلصين.
وهذا ما بلوره الإمام جعفر الصادق (83–148 هـ / 702–765 م) (عليه السلام) بكل وضوح وتجرد حين سأله رجل:
«يا ابن رسول الله دلني على الله ما هو؟ فقد أكثر علي المجادلون وحيروني».
فقال له الإمام:
«يا عبد الله هل ركبت سفينة قط؟».
قال: نعم، قال:
«فهل كسر بك الحبل حيث لا سفينة تنجيك ولا سباحة تغنيك؟».
قال: نعم، قال:
«فهل تعلق قلبك هنالك أن شيئاً من الأشياء قادر على أن يخلصك من ورطتك؟».
قال: نعم، قال الصادق (عليه السلام):
«فذلك الشيء هو الله القادر على الانجاء حيث لا منجي، وعلى الاغاثة حيث لا مغيث».
أما عودتهم إلى الجحود بعد النجاة (فلما أنجاهم إذا هم يبغون)، فليس دليلًا على خطأ الفطرة، بل دليل على أن «الغفلة والجهل والأهواء» عادت لتغطي ذلك المنبع الباطني الصافي بمجرد عودة الأسباب المادية والرخاء، وهو ما يعكس الصراع المعرفي الدائم في النفس الإنسانية بين نداء الفطرة الواضح وضوضاء عالم المادة وعوارضه.
ومن خلال هذا التنوع، صنّف القرآن آياته لتلائم بنية العقل البشري بشتى تلاوينه؛ فيجد الفيلسوف بغيته في براهين السبر والتمانع، ويجد العالم الطبيعي ضالّته في آيات الآفاق والأنفس، ويجد الإنسان البسيط أو المضطر مراده في نداء الفطرة العميقة.
2. تصنيفات التوحيد في محكم الآيات والروايات
بناءً على هذه الأدوات المعرفية، قسّم القرآن والسنّة التوحيد في الآيات والنصوص المأثورة إلى ثلاث ركائز أساسية:
1. التوحيد الذاتي (أحدية الذات وبساطتها ونفي العدد)
تطرّق القرآن إلى وحدانية الذات ونفي التركيب عنها بأسلوب جامع في سورة الإخلاص:
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
واستخدام كلمة «أحد» بدلًا من «واحد» التفاتة قرآنية غاية في الدقة؛ فالواحد قد يعني الجزء الأول من السلسلة العددية التي تقبل الانقسام والزيادة، أما «الأحد» فهو الحقيقة البسيطة المطلقة التي لا جزء لها ولا تفرّع، ولا تقبل التعدد بأي وجه من الوجوه.
وقد فكك الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) هذا المفهوم بدقة وطهّره من الفهم العددي المادي، كما روى الشيخ الصدوق في الأمالي والتوحيد في حديثه للأعرابي الذي سأله عن معنى “الواحد”، فقال له النبي (ص):
«أما قولك: واحد، فمعناه أنه لا شبه له في الأشياء، كذلك ربنا. ومعناه أنه أحدي المعنى، يعني به أنه لا ينقسم في وجود، ولا عقل، ولا وهم، كذلك ربنا عز وجل».
وفي هذا يفيض أمير المؤمنين الإمام علي (23 ق.هـ–40 هـ / 599–661 م) (عليه السلام) في الخطبة الأولى من نهج البلاغة مبيناً تنزيه الذات الأحدية عن التحديد والعدد:
«الَّذِي لَيْسَ لِصِفَتِهِ حَدٌّ مَحْدُودٌ… كَمَالُ التَّوْحِيدِ الإِخْلاصُ لَهُ، ومَا وَحَّدَهُ مَنْ كَيَّفَهُ، ولَا غَايَتَهُ مَنْ جَزَّأَهُ، ومَنْ أِشَارَ إِلَيْهِ فَقَدْ حَدَّهُ، ومَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ».
وكذلك جوابه (عليه السلام) في معركة الجمل:
«إنَّ القولَ في أنَّ الله واحدٌ على أربعةِ أقسام: فوجهانِ منها لا يجوزانِ على الله، ووجهانِ يثبتانِ فيه… فأما اللذان لا يجوزان عليه: فالقولُ بـ “الواحد” في باب العدد، فهذا ما لا يجوز، لأن ما لا ثاني له لا يدخل في باب العدد، أما ترى أنه كفر من قال: إنه ثالث ثلاثة؟».
2. التوحيد الصفاتي (الغنى المطلق ونفي النقص وعينية الصفات)
تطرّق القرآن لصفات الخالق عبر التأكيد على مسألتين:
أما التنزيه المطلق، ففي قوله تعالى:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.
وهي قاعدة قرآنية تهدم أي محاولة لتشبيه صفات الخالق بصفات المخلوقين.
وأما إثبات الكمال، فمن خلال منظومة الأسماء الحسنى في قوله:
﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾.
فالأسماء مثل (العليم، القدير، الحي) ليست صفات زائدة عن الذات حالّة فيها، بل هي تعبير عن كمال الذات وعينيّتها، فالذات الإلهية هي عين العلم وعين القدرة.
وأقوى برهان أثري على عينية الصفات للذات ونفي الزيادة والمغايرة المفهومية، هو كلام الإمام علي (عليه السلام):
«وَكَمَالُ الإِخْلاصِ لَهُ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْهُ، لِشَهَادَةِ كُلِّ صِفَة أَنَّهَا غَيْرُ المَوْصُوفِ، وَشَهَادَةِ كُلِّ مَوْصُوف أَنَّهُ غَيْرُ الصِّفَةِ، فَمَنْ وَصَفَ اللهَ سُبْحَانَهُ فَقَدْ قَرَنَهُ، وَمَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنَّاهُ، وَمَنْ ثَنَّاهُ فَقَدْ جَزَّأَهُ، وَمَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ جَهِلَهُ».
3. التوحيد الأفعالي (نفي المؤثر المستقل في الوجود)
بيّن القرآن أن حركات الكون وسكناته لا تتم إلا بتقديره ومشيئته:
﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾.
فلا رادّ لقضائه ولا مؤثر في الوجود سواه، وكل الأسباب المادية في الكون مستمدة من سببيّته الأولى.
وفي كتاب التوحيد للشيخ الصدوق، يسند الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) هذا التوحيد الأفعالي والمدد الوجودي إلى المشيئة والقيومية الإلهية الحاكمة في العبد بروايته القدسية:
«قال الله تبارك وتعالى: يا ابن آدم، بمشيئتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء، وبقوتي أديت إليَّ فرائضي، وبعصمتي وقدرتي قويت على معصيتي، جعلتك سميعاً بصيراً قوياً، ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك».
3. منهج أهل البيت (عليهم السلام) في حماية عقيدة التوحيد
جاء بيان أهل البيت (عليهم السلام) ليمثل خط الدفاع العقلاني الصارم لحماية العقيدة الإسلامية من الانحراف، حيث تميّز طرحهم بميزتين جوهريتين:
1. الوقوف في «المنطقة الوسطى» (بين التشبيه والتعطيل)
انقسمت المدارس اللاهوتية في فهم صفات الله إلى طرفين أفرزا خللًا معرفيًا:
طرفٌ وقع في «التشبيه»: ففهم نصوص الصفات فهمًا ماديًا وجعل للخالق صورة وجهة (وهذا خلل ينقض نفي الجسمية). وطرفٌ وقع في «التعطيل»: فرأى أن التنزيه يقتضي تفريغ الصفات من معناها، فصار الإله عندهم مجرد فكرة ذهنية غائبة لا وجود حقيقي لصفاتها (وهذا خلل ينقض التوحيد الصفاتي).
أما موقف مدرسة أهل البيت، فقد صاغ الأئمة (عليهم السلام) منهجًا يثبت الصفات حقيقةً وينفي عنها شبيه المادة. يقول الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) في تحديد هذا المورد المعرفي:
«ذَاتٌ بحقيقةِ الشيئيةِ، خروجًا من الحَدّين: حدِّ الإبطال والتعطيل, وحدِّ التشبيه».
فالصفات ثابتة ولكنها عين الذات بلا كيفٍ مادي.
ويعزز ذلك ما روي عن الإمام محمد الباقر (57–114 هـ / 676–733 م) (عليه السلام) في قوله الصارم لتفتيت أوهام الفلسفة المادية والتجسيم:
«كُلُّ ما مَيَّزْتُمُوهُ بِأَوْهامِكُمْ فِي أَدَقِّ مَعانِيهِ، مَخْلُوقٌ مَصْنُوعٌ مِثْلُكُمْ، مَرْدُودٌ إِلَيْكُمْ».
وقول الإمام علي بن موسى الرضا (148–203 هـ / 765–818 م) (عليه السلام) في الجمع القاطع بين التنزيه وإثبات الصفة:
«إنَّ اللهَ خِلْوٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَخَلْقَهُ خِلْوٌ مِنْهُ… مَنْ شَبَّهَ اللهَ بِخَلْقِهِ فَهُوَ مُشْرِكٌ، وَمَنْ نَفَى عَنْهُ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فَهُوَ مُعَطِّلٌ».
2. حل معضلة الأفعال (الأمر بين الأمرين)
عندما التبس الأمر على البعض بين «الجبر» (أن العبد مجبر على فعله ولا إرادة له كحركة الريشة في الهواء) و«التفويض» (أن العبد مستقل تمامًا بفعله عن الله وأن الله فوض له الخلق والتدبير وانعزل)، قدّم أهل البيت الحل العقلاني الحاسم:
«لا جَبْرَ ولا تَفْويضَ، ولكنْ أمرٌ بين أمرين».
فالفعل الإنساني له نسبتان: نسبة إلى العبد لأنه باشر الفعل بإرادته الحرة واختياره، ونسبة إلى الله لأن الله هو من يفيض على العبد القدرة، والحياة، والأدوات، والمشيئة في كل لحظة وسيرورة. فلو انقطع المدد الإلهي والفيض الوجودي لحظة واحدة، بطل فعل العبد وانعدم أثره.
4. إضاءة حول توحيد الفعل وشبهة التوسل
في سياق الحديث عن التوحيد الأفعالي (وأن الله هو المؤثر الوحيد)، يُثار أحيانًا تساؤل عابر حول مسألة «التوسل» بالنبي (صلى الله عليه وآله) أو آل بيته (عليهم السلام)، ويتوهم البعض أن في ذلك خدشًا للتوحيد أو شبهًا بعبادة الأصنام. ولتبسيط هذه النقطة وإزاحة الوهم، يضع العقل والقرآن تفرقة حاسمة بين هندستين للتأثير:
1. العلية العرضية (الشرك الباطل)
وهي الاعتقاد بأن هناك جهة أخرى تؤثر في الكون بمحاذاة الله ونِدًّا له، وبشكل مستقل عن إرادته ومشيئته الذاتية. هذا هو الشرك الذي حاربه الإسلام؛ وهو النمط الذي وقع فيه كفار مكة حين اعتقدوا أن الأصنام تملك سلطة ذاتية مستقلة ونفعاً وضراً تقرّبهم إلى الله زلفى دون إذن منه أو جعل شرعي منه سبحانه.
2. العلية الطولية (التوحيد الخالص)
وهي الإيمان بأن المسبِّب والمؤثر المستقل الوحيد بالذات هو الله، وأن أي تأثير لكائن آخر إنما يقع في طول الإرادة الإلهية، أي بمددٍ منه، وبإذنه، وتحت سلطانه وجعله.
وهذا التأسيس المعرفي الدقيق للعلية الطولية وتأثير الأسباب المقيدة بالمشيئة، جاء صريحاً في وصية الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) لابن عباس (3 ق.هـ–68 هـ / 619–687 م):
«وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلاَمُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ».
فالكائن والأثر هنا لا يزاحم الخالق العظيم، بل هو مجرد «وسيلة» جَعَلية أمر الله العباد بالتوجه من خلالها وطاعتها، كما في الآية المحكمة:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾.
أمثلة قرآنية على الرؤية الطولية لنفي التناقض:
- في الإماتة: يقول القرآن تارة:
﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾.
وتارة أخرى في آية مغايرة:
﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾.
فملك الموت يعمل بإذن الله وفي طول أمره وقدرته، فلا تناقض ولا شرك.
- في الفعل والرمي: يقول تعالى لنبيه:
﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾.
فالرامي مباشرةً والمباشر للحركة هو الرسول بيده الشريفة، لكن القرآن ينفي استقلاليته العرضية؛ فالرمي وتأثيره تم في طول قوة الله وتوفيقه ومدده الوجودي.
وتتضح هذه الرؤية الطولية في تسلسل التأثير:
الله سبحانه — المسبِّب الأول والمفيض المستقل بالذات ↓ (بإذنٍ ومددٍ وجعل وجودي) الرسول / الوسائل والأسباب المأذونة ↓ (مباشرة الفعل والأثر الطولي) النتيجة والأثر المتحقق في الكون
وبناءً على هذه اللفتة العقلية والأثرية، يتضح أن المتوسّل بالرسول والأولياء (عليهم السلام) لا يضعهم نِدًّا لله (في العرض)، بل يأتيهم كأسباب ووسائل كرّمها الله وأذِن لها بالشفاعة والوساطة الفيضية (في الطول). والتوجّه إلى الوسيلة بإذن الله وأمره هو جوهر الامتثال، والعبودية، والطاعة، وليس شركًا كما يظن من يجهل التمييز المنطقي والأثري بين الاستقلال التام والتبعية الوجودية المقيدة.
الخاتمة
يقف الباحث هنا متأملًا هذا التناغم البديع؛ حيث تلتقي براهين العقل التجريدية بنصوص الوحي الإلهي، وجوامع خطب السنّة النبوية لرسول الله، وبيان أهل البيت الجليّ، لتمتزج أدوات المعرفة الحسية والعقلية والفطرية في مشكاة واحدة. فالله سبحانه واحد في ذاته وصفاته وأفعاله، وكل ما سواه يتحرك بفيضه وإذنه وقيموميته المطلقة.
وبعد أن تمكّنا من سبر أغوار صفات الخالق من المنظورين العقلي والوحياني المأثور… يبرز أمامنا أفق جديد للبحث والتدبر المتمّم: كيف عرّف هذا الإله العظيم نفسه للإنسانية من خلال تفاصيل النصوص القرآنية الأخرى؟ وكيف تجلّت هذه المعارف في الأدعية والخطب الصادرة عن مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) لترسم للإنسان مسارًا معرفيًا وعمليًا متكاملًا؟
لا جَبْرَ ولا تَفْويضَ، ولكنْ أمرٌ بين أمرين.