الواسطة
النبوة والرسالة: الواسطة الوجودية وقناة الهداية الإلهية
النبوة والرسالة ضرورة وجودية ومعرفية؛ فحكمة الخالق وحاجة الإنسان إلى الهداية تقتضيان وجود واسطة معصومة تنقل الإنسان من الحيرة إلى طريق الكمال.
مقدمة: في السؤال الوجودي الأول
تميز الكائن البشري عن سائر الموجودات بامتلاكه وعياً ذاتياً يتجاوز البعد البيولوجي المحض؛ فهو كائن «مستفهم» يقع تحت وطأة قلق معرفي دائم، يدفعه قهراً للبحث عن إجابات حاسمة لأسئلة ثلاثة كبرى تحدد حقيقة وجوده: من أين؟ وفي أين؟ وإلى أين؟ (المبدأ، والغاية، والمصير).
إن محاولة الإجابة عن هذه الأسئلة قادت البشرية عبر التاريخ إلى صياغة مسالك شتى، إلا أن العقل البرهاني المحض، عند تتبع مقدماته الصارمة، يكشف عن حتمية وجود خط معرفي وقناة اتصالية تبدأ من الخالق وتتنزل إلى المخلوق. هذا الخط الوجودي هو ما نطلق عليه “النبوة والرسالة”، بوصفهما الواسطة الضرورية لتحقيق الغاية من الخلق، وإخراج الإنسان من حدود حيرته وقصوره الطبيعي إلى أفق الهداية التامة.
1. برهان وجوب الرسالة (حاجة الإنسان واللطف الإلهي)
ينطلق العقل في إثبات ضرورة الرسالة والبعثة من محاكمة منطقية تربط بين «حكمة الصانع» و«قصور المخلوق»، وتتجلى في مسلكين رئيسيين:
1. دليل الحكمة والغاية (نفي العبثية)
-
المقدمة الأولى: ثبت بالدليل الفلسفي أن الله سبحانه وتعالى حكيم مطلق، والحكيم لا يصدر عنه العبث، فكل فعل من أفعاله ينطوي بالضرورة على غاية وهدف.
-
المقدمة الثانية: غاية خلق الإنسان هي الوصول إلى كماله المعرفي والأخلاقي، ونيل السعادة الأبدية القائمة على معرفة الحق الخالق وتعبده.
-
المقدمة الثالثة: العقل الإنساني، وإن كان يدرك كليات الأمور (كحسن العدل وقبح الظلم)، إلا أنه قاصر وعاجز بمفرده عن معرفة تفاصيل الطريق الموصل للكمال، وعن اختراق جدار الموت لمعرفة الغيبيات والمصير وكيفية التقرب إلى الله.
-
النتيجة: لو ترك الله البشر بلا توجيه، لتعذر عليهم الوصول إلى الغاية التي خُلقوا من أجلها، ولكان ذلك نقضاً لغرض الخالق ومفضياً إلى عبثية الخلق، وهو محال على الحكيم. لذا، يوجب العقل وجود رسالة إلهية توضح معالم الطريق.
2. دليل «وحدة المصدر» ودفع فوضى الأديان الوضعية
الحقيقة الوجودية واحدة لا تتعدد؛ فالكون مبني على نظام تصميمي موحد ومحكم. وبما أن «الغاية من الخلق» تابعة لإرادة الصانع لا للمصنوع، فإن الجهة الوحيدة المؤهلة لبيان هذه الغاية هي الخالق نفسه.
ولو تُرِك الأمر للبشر لصياغة طقوسهم ونظرياتهم حول غاية الوجود، لشرّع كل فرد وفقاً لهواه وأوهامه ونرجسيته، مما يؤدي إلى نسبية قاتلة وفوضى معرفية عارمة يتحول فيها الإله إلى فكرة مصنوعة على مقاس المزاج البشري. لذا، أوجبت الحكمة الإلهية وجود مصدر رسمي وحيد وحاسم يمثّل كلام الخالق مباشرة، تنقطع به حيرة العقول وتتوحد به الوجهة.
2. النبوة في ميزان الفلسفة
لم تكن النبوة والرسالة مجرد فكرة لاهوتية نقليّة، بل كانت مدار بحث كبار فلاسفة التاريخ الذين حللوا ماهيتها بوصفها جسراً بين عالم الغيب وعالم الشهادة.
1. الفلاسفة اليونانيون
رغم عدم معاصرتهم لرسالة توحيدية إبراهيمية بالمعنى الدقيق، إلا أن أقطاب الفلسفة اليونانية بحثوا بعمق في آلية تلقي الحكمة العلوية والوساطة الوجودية لهداية الإنسانية.
أفلاطون (نحو 427–347 ق.م) (Plato)
يرى أفلاطون في محاورتي “الجمهورية” و“القوانين” أن الحكيم أو المشرع الملهم هو الشخص الذي يستطيع الانعتاق من “كهف المادة” والارتقاء بروحانيته وعقله إلى عالم المُثل، أي عالم الحقائق المطلقة الأزلية، ومن ثم يعود ليكون واسطة هداية وتنظيم للمدينة الفاضلة.
وفي محاورة “تيماريوس”، يطرح فكرة أن المتلقي للإلهام الإلهي يمر بحالة من “الاصطفاء والاندكاك الروحي” تُمكّنه من أن يكون بمثابة “مترجم” (Hermeneus) لإرادة السماء وتنزيلها في قوانين تحمي البشر وتصلح نفوسهم.
أفلوطين (نحو 204–270 م) (Plotinus) والنيوفلاطونية
أسس أفلوطين لنظرية “الفيض الكوني”، حيث يرى أن الوجود ينبع ويتدفق من “الواحد الأول” (The One) تدرجاً عبر العقول والنفوس الكلية. وفي هذا المذهب، يُنظر إلى الأنبياء والحكماء الكبار على أنهم النفوس البشرية النادرة والمستعدة التي تمتلك “مغناطيساً روحياً” يخرق حجب المادة المظلمة ليستقبل الفيض النوراني مباشرة من العقل الكلي، ومن ثم يعيدون بث هذا النور على شكل تعاليم وهداية للبشر العاديين المحجوبين بكثافة المادة.
2. الفلاسفة الغربيون
في العصر الحديث والمعاصر، بحث فلاسفة الغرب النبوة كأداة تاريخية وأخلاقية لربط المطلق (الله) بالنسبي (الإنسان).
غوتفريد لايبنتز (1646–1716 م) (Gottfried Wilhelm Leibniz)
يرى لايبنتز أن الله أودع في العقل البشري حقائق أخلاقية وفطرية، غير أن العواطف الجامحة والشهوات المادية تعمي عقول العامة عنها. وهنا تبرز وظيفة النبوة والرسالة عند لايبنتز كـ “مسرّع وموقظ تاريخي”؛ فالنبي هو الواسطة التي تقدم الهداية والتنبيه العقلي في قالب واضح وموجز، مما يختصر على البشرية آلاف السنين التي كانوا سيقضونها في التخبط التجريبي للوصول إلى القوانين الأخلاقية الأساسية.
يوهان فيشته (1762–1814 م) (Johann Gottfried Fichte)
درس فيشته ظاهرة النبوة من زاوية “العبقرية الروحية”، واعتبر النبي شخصية محورية تمتلك حساسية مطلقة واستثنائية تجاه “الإرادة الإلهية والأخلاقية”. النبي عنده ليس مجرد ناقل معرفي، بل هو طاقة محركة وواسطة وجودية تتفانى ذاتياً وينفصل وعيها بالكامل عن المصالح الشخصية الضيقة، ليصبح تجسيداً حياً للقانون الأخلاقي الأعلى، قادراً على صدم المجتمعات وإخراجها من حالتها الحيوانية إلى الارتقاء الروحي.
صامويل كولريدج (1772–1834 م) (Samuel Taylor Coleridge)
ميز كولريدج وفلاسفة المذهب الروحي بين مرتبتين من الوعي: “الفهم المنطقي الضيق” (Understanding) المشترك بين البشر، و”العقل الكلي الشامل” (Reason) وهو البصيرة النافذة. ويرى كولريدج أن النبي هو الواسطة الأسمى للهداية لأنه يتمتع بهذا “العقل الكلي” في ذروة صفائه، مما يجعله قادراً على رؤية الوحدة الكامنة وراء الطبيعة والاتصال بالخالق، ثم صياغة هذه الرؤية الشاملة في صورة تعاليم وقصص تناسب إدراك البشر العاديين.
3. الفلاسفة المسلمون
ارتقى الفلاسفة المسلمون بنظرية النبوة إلى قمة النضج البرهاني، مفسرين إياها فلسفياً عبر بنية الميتافيزيقيا وأنطولوجيا الوجود.
ويجب التنويه هنا أولاً إلى أن “العقل” في الاصطلاح الفلسفي لديهم لا يعني المعنى العامي الشائع، أي مجرد التفكير أو الحسابات الذهنية أو الذكاء اليومي البشري، بل العقل عندهم هو “جوهر مجرد ونور وجودي قائم بنفسه، يعلو فوق المادة، ويمثل منبعاً للحقائق الكلية والوجودية”.
الفارابي (260–339 هـ / 872–950 م)
يُعد الفارابي واضع الحجر الأساس لنظرية النبوة الفلسفية؛ حيث يرى أن النبي هو “رئيس المدينة الفاضلة” بالاستحقاق الوجودي. فالنبي يتصل بـ “العقل الفعال”، وهو الجوهر الروحاني النوراني الواسطة بين عالم المفارقات وعالم الأرض، عبر قوتين: قوته العقلية التي تبلغ رتبة “العقل المستفاد”، وهو أعلى درجات التجريد العقلي حيث تصبح النفس مرآة مصقولة تتحد بالحقائق العلوية، وقوته المتخيلة الخارقة التي تحاكي المعاني المجردة في صور بصرية وسمعية؛ وبذلك يكون النبي القناة الوجودية التي تترجم حقائق الغيب إلى شريعة هادية للعموم.
ابن سينا (370–428 هـ / 980–1037 م)
عمق ابن سينا هذا الطرح مبرهناً على حتمية النبوة اجتماعياً ووجودياً. فالإنسان لا يمكنه العيش دون اجتماع مدني، والاجتماع يحتاج إلى قانون (شريعة)، والقانون يحتاج إلى شارع (مشرع). هذا المشرع يجب أن يتميز عن البشر بـ “العقل القدسي”، وهو ليس ذكاءً عادياً، بل ملكة وجودية عليا ونور إلهي يفيض على النفس، فيتيح للنبي “حدس الحقائق الكلية” والوصول إلى النتائج المعرفية دفعة واحدة بلمحة عين، دون حاجة لتعلم بشري أو ترتيب قياسات منطقية زمنية، ليكون فيض الهداية نازلاً من الله عبر عقل النبي إلى الإنسانية.
السهروردي (549–587 هـ / 1154–1191 م) (صاحب فلسفة الإشراق)
يرى الشيخ شهاب الدين السهروردي أن النبوة هي ذروة “التأله والإشراق النوري”. العقل عنده هو نور مجرد، والنبي هو الشخص الذي تخلصت نفسه من غسق المادة وظلماتها، فأشرقت في قلبه أنوار “الأنوار القاهرة” وعالم الملكوت. فالنبي عنده هو الحكيم المتأله الذي يجمع بين البرهان العقلي الصارم والشهود الإشراقي المباشر، ليكون واسطة النور التي تبدد ظلمات الجهل في عالم الخلق.
ابن عربي (560–638 هـ / 1165–1240 م) (صاحب مدرسة العرفان الفلسفي)
يُعد الشيخ الأكبر المؤسس الحقيقي لمفهوم “الإنسان الكامل” في باطنه الفلسفي والوجودي. فالإنسان الكامل عنده ليس مجرد شخص “صالح أو مهذب أخلاقياً” بالمعنى القريب، بل هو “الكون الجامع والنسخة المختصرة للوجود كله”؛ فهو الكائن الوحيد الذي استحق أن يكون مرآة تتجلى فيها “جميع الأسماء والصفات الإلهية”. النبوة والرسالة عند ابن عربي هي مظهر هذا التعيّن؛ فالنبي هو الإنسان الكامل الذي يمثل البرزخ والواسطة المطلقة بين الحق (الخالق) والخلق (المخلوقات)، ولولاه لما استقام نظام الفيض والهداية في هذا العالم.
الملا صدرا (979–1050 هـ / 1571–1640 م)
في مدرسة “الحكمة المتعالية”، صهر الملا صدرا هذه الرؤى مبرهناً على أن النبي هو “الإنسان الكامل” الذي قطع مراحل السير والسلوك الوجودي عبر “الأسفار العقلية الأربعة”. فبعد أن يسافر بالحقائق من الخلق إلى الحق، يعود في سفره الأخير من الحق إلى الخلق بالحق، تالياً للوحي والتشريع. فالنبي عنده يمثل قمة التطور والاشتداد الوجودي للبشر، حيث يتحد عقله ونفسه بالعالم العلوي اتحاداً حقيقياً، فيصبح باطنه ملكوتياً مجرداً وظاهره بشرياً مادياً، وتغدو أفعاله وتشريعاته امتداداً مباشراً للفيض الإلهي وهدايته لتكميل النفوس البشرية الناقصة.
3. حقيقة التميز الوجودي للرسول (تفكيك وهم “ساعي البريد”)
تنويه منهجي ومفهومي: ينبغي الإشارة بدقة قبل الولوج في تفاصيل هذا الفصل، إلى أن التحليل الفلسفي والبرهاني هنا لا يتمحور حول شخص النبي محمد (صلّى الله عليه وآله) بعينه ولا ينحصر فيه كحدث تاريخي شخصي، بل إن البحث ينصبّ بالأساس على “منصب النبوة ومقام الرسالة” كمرتبة وجودية وقناة اتصالية عامة بين الخالق والمخلوق.
هذا المقام الوجودي لـ “الواسطة” ليس رتبة جامدة أو متساوية؛ فالأنبياء والرسل جميعاً قد اجتمعت فيهم الصفات والمؤهلات الجوهرية المحدِّدة لمنصب النبوة، غير أن مراتبهم ومقاماتهم الوجودية متفاوتة تَبَعاً لطبيعة التشكيك الفلسفي؛ فهي حقيقة مشككة تتفاوت درجاتها قوةً وشدة في القرب والكمال المعرفي والتكويني من نبي إلى آخر. وفي هذا التدرج الوجودي، بلغ الكمال الإنساني ذروته الشامخة وتجلياته الإطلاقية الأتم التي لا رتبة فوقها في شخص الرسول الأعظم والخاتم (صلّى الله عليه وآله)، فكان هو المصداق الأعلى والنموذج الأكمل لهذا المقام العام.
ومِن الأخطاء المعرفية الشائعة والجنوحات السطحية التي تقع فيها بعض القراءات، والتي لم تقتصر على الطروح اللادينية فحسب، بل سرت ووقعت حتّى في وعي الكثير ممن يعلنون اتّباعهم للرسول، بل ومِن أولئك الذين عاصروه وصاحبوه زمانياً ومكانياً وعاشوا معه، هي تصوّر أن الرسول مجرد “شخص عادي” تماماً من الناحية التكوينية والعقلية، اختاره الله فقط لصفة أخلاقية مجردة كونه “لا يكذب”، وأن مهمته تقتصر على تلقي الرسالة ونقلها بحياد جاف كـ “ساعي البريد” الذي يحمل رسالة لا يفقه كنهها ولا تؤثر في أصل كينونته.
إن هذا الفهم القاصر ليس نتاج العصر الحديث، بل هو امتداد لقصور تاريخي قديم؛ فالقرآن الكريم مليء وقائم في شق كبير منه على سرد قصص الأقوام الذين تعاملوا مع أنبيائهم بهذا الاستخفاف والجهل بالمقام، دون أي تقدير لرتبتهم الوجودية، فتطاولوا عليهم، وزايدوا عليهم بالفهم والدراية والخبرة الحياتية المحضة، معتبرين إياهم مجرد بشر طارئين يماثلونهم في أدوات الإدراك.
وهذا الخلط المعرفي ينشأ من عدم التمييز بين “البشرية الظاهرة” للنبي كجسدٍ محكومٍ بقوانين المادة ويتحرك في فلك الحياة اليومية، وبين “الحقيقة التكوينية المعصومة” التي تؤهله ليكون برزخاً صامداً بين المطلق والنسبي.
وتفكيكاً لهذا الوهم، يحكم العقل البرهاني بأن دور الواسطة الإلهية يتطلب بالضرورة مواصفات ذاتية فائقة تفوق مجرد الأمانة الأخلاقية البسيطة بمفهومها العوامي، وتتجلي في ثلاثة أبعاد تفصيلية:
1. التميز التكويني والبدني (الولاية التكوينية)
نفس الرسول ليست كنفوس بقية البشر المحكومة كلياً لطبائع المادة وقوانينها؛ بل هي نفسٌ بلغت من القوة النورية والنقاء الروحي رتبة تذعن لها المادة الخارجية وتنقاد لإرادتها.
ولبيان هذا الأمر وتفسيره فلسفياً: يرى ابن سينا ومعه الملا صدرا أن النفس الإنسانية العادية جُعلت ذات قدرة وتأثير محصورين؛ فهي لا تستطيع أن تدير أو تحرك أو تؤثر إلا في بدنها الخاص (كتحريك اليد أو إرادة المشي). أما نفس الرسول، وبسبب اشتدادها الوجودي وصفائها الفائق، فإن مساحة تأثيرها تتعدى حدود بدنها الخاص لتتصل بالقوة العلوية، فتصبح قادرة على التأثير المباشر في مادة هذا الكون الفسيح وعناصره بإذن الله.
هذا الامتداد التأثيري للنفس هو العمق الفلسفي الذي يفسر به هذان الفيلسوفان حدوث المعجزات؛ فهي ليست مجرد استعراض خارج عن النظام، بل هي أثر مباشر لسطوة نفس علوية كاملة فاقت حدود قدرة البشر العاديين، فأعطاها الله القدرة على التحكم في ظواهر المادة وتطويعها ليكون ذلك صك براءة دالاً على صدق السفارة والهداية.
2. التميز العقلي والمعرفي (العقل القدسي والحدس الدفعي)
البشر العاديون يكتسبون معرفتهم عبر أدوات قاصرة: الحواس الخمس، ثم التجريد العقلي الخاضع للخطأ، والتعلم التدريجي (المقدمات فالنتائج). أما الرسول، فيمتلك رتبة عقلية استثنائية تُسمى فلسفياً “العقل القدسي”.
هذا العقل يتميز بالحدس الدفعي المباشر؛ فهو لا يحتاج إلى معلم بشري، ولا إلى ترتيب قياسات منطقية يمتد فيها الزمن. إن وعي الرسول يتصل بـ “العقل الفعال” الغيبي، فتنقش فيه المعارف والحقائق الكونية، الكلية والجزئية، دفعة واحدة بلمحة عين وبأعلى درجات اليقين والوضوح المعرفي. إنه عقل محيط، عابر للزمان والمكان، شُيّد ليكون منبعاً للعلم لا مستهلكاً له.
3. التميز النفسي والمخيلة الفائقة (صياغة الوحي الصوري)
ساعي البريد ينقل نصاً قد لا يستوعبه، أما الرسول فهو المترجم والمستوعب الأكبر. إن التحدي الأكبر في الرسالة هو: كيف تنقل الحقائق الإلهية المجردة اللامتناهية إلى عقول بشرية متناهية ومحجوبة بالمادة؟
هنا تبرز القوة النفسية والمخيلة الخارقة للرسول. فهو يتلقى الوحي معنوياً ومجرداً في رتبة عقله، ثم تقوم مخيلته الفائقة والصافية، التي لا تشوبها أوهام أو نزعات نفسية، بـ “ترجمة وتحويل” هذه المعاني العلوية الشامخة إلى صور، وأصوات، وأمثال، وقصص، ولغة بيانية معجزة، كشاهد المَلك وسماع الخطاب.
هذه القدرة البيانية والنفسية هي أداة الهداية الجماهيرية؛ فلولا هذه المخيلة الفائقة للرسول، لبقيت علوم الغيب مجردة ومعزولة ولاستحالت هداية عامة الخلق وتوجيههم.
خلاصة المحصلة: الرسول هو “الإنسان الكامل” الذي اصطفاه الله لأن بنيته الوجودية، عقلاً ونفساً وتكويناً، هي الوحيدة المؤهلة والمهيأة لتحمل ثقل التجلي الإلهي والخطاب الغيبي. إنه يمثل “برزخ البرازخ” والجسر الوجودي الذي لا بد منه؛ لتنزل الهداية من عالم اللاهوت والملكوت، وتصاغ في قالب بشري قادر على قيادة الإنسان نحو غايته الوجودية.
4. لماذا يجب أن يكون الرسول بشراً؟ (برهان المجانسة والأسوة)
بعد إثبات ضرورة القناة المعرفية والمواصفات الاستثنائية لشخص الرسول، يفرض العقل سؤال القالب التجسيدي الخارجي لحاملها: لماذا اختار الخالق حاملاً للرسالة من جنس البشر، في ظاهره، ولم يجعله كائناً غيبياً كالملَك؟
1. دليل الإمكان والاقتداء (الأسوة العملية)
الغاية من الرسالة ليست إلقاء نصوص جافة، بل تحويلها إلى نموذج تطبيقي في واقع الأرض. لو كان الرسول ملكاً لا يجوع، ولا يشتهي، ولا يتعب، ولا يمرض، لكان لزاماً على البشر الاعتراض بقولهم:
«أنت تفعل هذا لأنك ملك نوراني، أما نحن فنحن بشر محكومون بالشهوات الجسدية ونقاط الضعف المادية».
إن كون الرسول بشراً في قالب حياته اليومية؛ يصبر، ويعفو، ويجاهد غريزته، ويتألم، يثبت عملياً وعقلياً أن المنهج الإلهي وتشريعاته ممكنة التطبيق تماماً ضمن حدود القدرة البشرية، وبذلك يسقط العذر وتتحقق الغاية من البعثة وهي الأسوة والاقتداء.
2. دليل التواصل المعرفي (المشاكلة)
التلقي والفهم يتطلبان تجانساً ومشاكلة بين المرسِل والمستقبِل. الطبيعة الملكية النورانية المحضة تتجاوز طاقة الجهاز الحسي والعصبي للبشر العاديين، ورؤيتها على حقيقتها تسبب الصدمة والذهول الصاعق المانع من الوعي والاستيعاب.
لكي يطمئن البشر ويستمعوا ويفهموا الخطاب دون رعب أو دهشة تذهل العقول، وجب عقلاً أن يكون حامل الرسالة مشاكلًا لهم في الجنس والظاهر؛ يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، في حين يظل باطنه متصلاً بالملكوت.
5. العبادة التوقيفية وحتمية القانون الموحد
بناءً على ما تقدم، فإن هدف الرسول والرسالة هو تحقيق الغاية من الخلق وهي معرفة الله. ولكي تترجم هذه المعرفة سلوكياً ويتحقق الكمال، لا بد من العبادة. وهنا تبرز قاعدة عقلية عرفانية عميقة:
«لا يعرف الطريق إلا من عبر ووصل، لا من هو واقف في البدايات».
البشر في مطلع سيرهم محجوبون بالمادة والجهل وبدايات المعرفة الحسية، بينما الرسول هو الذي خرق الله له حجب المادة بالوحي فـ«عبر ووصل» وشهد حقيقة النظام الوجودي. وبما أن العبادة هي إعلان الخضوع للمعبود، فلو اخترعها الإنسان من تلقاء نفسه لكان في الحقيقة يعبد هواه وتصوراته الذهنية المحدودة وما يشتهيه، لذا وجب أن تكون العبادة «توقيفية» بالطريقة والهيكلية التي صممها الصانع العارف بخفايا النفس وصلاحها، وأعلم بها رسوله المستأمن.
ولكي يظل هذا «الكتالوج» المعرفي والعبادي عابراً للأجيال والقرون دون أن يندثر في فوضى الروايات الشفهية أو يتعرض للتحريف بتطاول الزمن العادي، قضت الحكمة الإلهية بصبه في قالب قانون مكتوب، موحد، وثابت بلفظه ومعناه من الله، ليكون دستوراً فوقياً مطلقاً يخضع له الجميع تتوحد به الوجهة، وهو ما تجسد في الكتب السماوية والرسالات المؤيدة بالإعجاز الذاتي، لتكون صك البراءة الدائم والمستمر على صدق الواسطة وحفظ أداة الهداية.
خاتمة
تأسيساً على ما تقدم، يخلص هذا البحث البرهاني والفلسفي الشامل إلى أن النبوة والرسالة ليستا مجرد خيار ديني أو حدث تاريخي عابر، بل هما ضرورة وجودية ومعرفية مطلقة تقتضيها حكمة الصانع وتستوجبها حاجة المخلوق.
إن الرسول ليس مجرد ناقل آلي أو “ساعي بريد” اختير لصدقه الأخلاقي فحسب، بل هو “الإنسان الكامل” والواسطة الأتم التي تلاقت وتكاملت فيها أعلى مراتب العقل القدسي والتميز التكويني بفيض الوحي الإلهي؛ ليغدو القناة الإيصالية الفريدة التي تنقل البشرية من ظلمات الجهل وقصور العقل الطبيعي إلى أنوار الهداية والكمال.
فبالرسالة تتحد وجهة العقول، وببشرية الرسول تتحقق الأسوة العملية، وبقانون الحق الموحد تندفع فوضى الأهواء والنزعات الوضعية، لتتحقق في نهاية المطاف الغاية الحقيقية والسامية من الخلق.
الرسول ليس مجرد ناقل آلي، بل هو الإنسان الكامل والواسطة الأتم التي تتنزل عبرها الهداية الإلهية إلى عالم الإنسان.